الشيخ محمد رشيد رضا
160
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أمر فاقض بما في كتاب اللّه ، فان أتاك ما ليس في كتاب اللّه فاقض بما سن فيه رسول اللّه ( ص ) الخ وفي رواية : إذا وجدت شيئا في كتاب اللّه فاقض فيه ولا تلتفت إلى غيره . بين معنى هذا في رواية أخرى ، أنه قال له : انظر ما تبين لك في كتاب اللّه فلا تسأل عنه أحدا ، وما لم يتبين لك في كتاب اللّه فاتبع فيه سنة رسول اللّه « 1 » ( ص ) ومثل هذا عن ابن مسعود : من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب اللّه ، فان جاءه ما ليس في كتاب اللّه فليقض بما قضى به نبيه ( ص ) الحديث « 2 » وعن ابن عباس انه كان إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب اللّه قال به ، فإن لم يكن في كتاب اللّه وكان عن رسول اللّه ( ص ) قال به . وهو كثير في كلام السلف والعلماء . وما فرق به الحنفية بين الفرض والواجب راجع إلى تقدم اعتبار الكتاب على اعتبار السنة ، فان اعتبار الكتاب أقوى من اعتبار السنة . وقد لا يخالف غيرهم في معنى تلك التفرقة . « والمقطوع به في المسألة ان السنة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار » « فان قيل هذا مخالف لما عليه المحققون - اما أولا فان السنة عند العلماء قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على السنة ، لأن الكتاب يكون محتملا لأمرين فأكثر فتأتي السنة بتعيين أحدهما فيرجع إلى السنة ويترك مقتضى الكتاب . وأيضا فقد يكون ظاهر الكتاب أمرا فتأتي السنة فتخرجه عن ظاهره ، وهذا دليل على تقديم السنة ، وحسبك انها تقيد مطلقه وتخص عمومه وتحمله على غير ظاهره حسبما هو مذكور في الأصول ، فالقرآن آت بقطع كل سارق فخصت السنة من ذلك سارق النصاب المحرز ، وأتى بأخذ الزكاة من جميع الأموال ظاهرا فخصته السنة بأموال مخصوصة . وقال تعالى « وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ » فأخرجت من ذلك نكاح المرأة على عمتها أو خالتها . فكل هذا ترك لظواهر الكتاب وتقديم للسنة عليه ومثل ذلك لا يحصى كثرة « واما ثانيا فان الكتاب والسنة إذا تعارضا فاختلف أهل الأصول هل يقدم
--> ( 1 ) رواه ابن شيبة وابن جرير والبيهقي وغيرهم ( 2 ) رواه عبد الرزاق في جامعه والدارمي وابن جرير في تهذيبه والبيهقي وغيرهم بألفاظ مختلفة وهو ليس من الحديث المرفوع